العيني
181
عمدة القاري
هو واجب لكل صلاة فمن تركه عامدا بطلت صلاته ، وعن داود : أنه واجب ولكنه ليس بشرط ، واحتج من قال بوجوبه بورود الأمر به ، فعند ابن ماجة في حديث أبي أمامة مرفوعا : ( تسوكوا ) ، ولأحمد نحوه من حديث العباس ، وقالوا : في حديث أبي هريرة المذكور دليل على أن الأمر للوجوب من وجهين : أحدهما : أنه نفي الأمر مع ثبوت الندبية ، ولو كان للندب لما جاز النفي . والآخر : أنه جعل الأمر مشقة عليهم ، وذلك إنما يتحقق إذا كان الأمر للوجوب ، إذ الندب لا مشقة فيه لأنه جائز الترك . قلت : الجواب أن شيئا من الأحاديث المذكورة لم يثبت ، وثبوت الندبية بدليل آخر ، والحديث نفي الفرضية بما ذكرنا والسنية أو الندبية بدلائل أخرى . وقال الشافعي : فيه دليل على أن السواك ليس بواجب ، لأنه لو كان واجبا لأمرهم به ، شق عليهم أو لم يشق ، والعجب من صاحب ( الهداية ) يقول : السواك سنة لأنه صلى الله عليه وسلم كان يواظب عليه ، ولم يذكر شيئا من الأحاديث الدالة على المواظبة ، وقد علم أن مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على فعل شيء يدل على أن ذلك واجب ، وأعجب منه ما قاله الشراح ( للهداية ) : أن المواظبة مع الترك دليل السنية ، وقد دل على تركه حديث الأعرابي ، فإنه لم ينقل فيه تعليم السواك ، فلو كان واجبا لعلمه . قلت : فيه نظر من وجهين . الأول : أنهم لم يأتوا بحديث فيه تصريح بأنه صلى الله عليه وسلم تركه في الجملة . والثاني : أن حديث الأعرابي لا يتم به استدلالهم ، لأن العلماء اختلفوا في السواك ، فقال بعضهم : هو من سنة الدين ، وقال بعضهم : هو من سنة الوضوء ، وقال آخرون : من سنة الصلاة . وقول من قال : إنه من سنة الدين أقوى ، نقل ذلك عن أبي حنيفة . وفيه أحاديث تدل على ذلك . منها : ما رواه أحمد والترمذي من حديث أبي أيوب ، رضي الله تعالى عنه : ( أربع من سنن المرسلين : الختان والسواك والتعطر والنكاح ) ورواه ابن أبي خيثمة وغيره من حديث فليح بن عبد الله عن أبيه عن جده نحوه ، ورواه الطبراني من حديث ابن عباس . ومنها : ما رواه مسلم من حديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها : ( عشر من الفطرة . . . ) فذكر فيها السواك . ومنها : ما رواه البزار من حديث أبي هريرة : ( الطهارات أربع : قص الشارب وحلق العانة وتقليم الأظافر والسواك ) ، ورواه الطبراني من حديث أبي الدرداء . الوجه الثاني : في بيان وقت الاستياك . فعند أكثر أصحابنا وقته وقت المضمضة ، وذكر صاحب ( المحيط ) وغيره : إن وقته وقت الوضوء ، إلا أن المنقول عن أبي حنيفة أنه من سنن الدين ، فحينئذ يستوي فيه كل الأحوال ، وذكر في ( كفاية المنتهي ) : أنه يستاك قبل الوضوء ، وعند الشافعي : هو سنة القيام إلى الصلاة وعند الوضوء وعند كل حال يتغير فيها الفم . الوجه الثالث : في كيفية الاستياك : قال أصحابنا يستاك عرضا لا طولاً ، عند مضمضة الوضوء . وأخرج أبو نعيم من حديث عائشة ، قالت : ( كان صلى الله عليه وسلم يستاك عرضا لا طولاً ) . وفي ( مراسيل ) أبي داود ( إذا استكتم فاستاكوا عرضا ) وأخرج الطبراني بإسناده إلى بهز ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستاك عرضا ) . وعن إمام الحرمين أنه يمر السواك على طول الأسنان وعرضها ، فإن اقتصر على أحدهما فالعرض أولى . وقال غيره من أصحاب الشافعي : يستاك عرضا لا طولاً ، ويأخذ السواك باليمنى ، والمستحب فيه ثلاث بثلاث مياه . الوجه الرابع : في أنه لا تقدير في السواك ، بل يستاك إلى أن يطمئن قلبه بزوال النكهة واصفرار السن ، ويقول عند الاستياك ، اللهم طهر فمي ونور قلبي وطهر بدني وحرم جسدي على النار وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين . وفي ( المحيط ) : العلك للمرأة يقوم مقام السواك لأن أسنانها ضعيفة يخاف منها السقوط ، وهي ينقي الأسنان ويشد اللثة كالسواك . الوجه الخامس : فيمن لا يجد السواك يعالج بالأصبع ، لما روى البيهقي في ( سننه ) من حديث أنس ، رضي الله تعالى عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يجزئ من السواك الأصابع ) ، وضعفه . وروى الطبراني في ( الأوسط ) من حديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، قالت : ( قلت : يا رسول الله ! الرجل يدهن فوه أيستاك ؟ قاال : نعم . قلت : كيف يصنع ؟ قال : يدخل إصبعه في فيه ) . الوجه السادس : فيما يستاك به وما لا يستاك به : المستحب أن يستاك بعود من أراك ، وروى البخاري في ( تاريخه ) وغيره من حديث أبي خيرة الصباحي : ( كنت في الوفد فزودنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأراك ، وقال : استاكوا بهذا ) . وروى الطبراني في ( الأوسط ) من حديث معاذ بن جبل ، رضي الله تعالى عنه ، قال : ( سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : ( نعم السواك الزيتون من شجرة مباركة يطيب الفم ويذهب بالخفر وهو سواكي وسواك الأنبياء قبلي ) . وروى الحارث في ( مسنده ) عن ضمرة بن حبيب ، قال : ( نهى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم عن السواك بعود الريحان ، وقال : إنه يحرك الجذام ) . الوجه السابع : في